رغم لغتها الرشيقة، الشفافة إلا أن رواية "اسمي سلمى" للكاتبة البريطانية فادية الفقير تسرد تراجيديا حزينة؛ وتروي مأساة فتاة بنبرة هادئة بعيدة عن الاحتجاج المباشر والإدانة الفجة، لتقترب من مشاغل الذات الأنثوية المحبطة، وهمومها وهواجسها. صدرت الرواية باللغة الإنكليزية قبل نحو سنتين عن دار نشر (دوبل داي) البريطانية، وقام المترجم والشاعر السوري عابد إسماعيل بتعريبها، لتصدر الطبعة العربية عن دار الساقي (بيروت ـ 2009).
رغم لغتها الرشيقة، الشفافة إلا أن رواية "اسمي سلمى" للكاتبة البريطانية فادية الفقير تسرد تراجيديا حزينة؛ وتروي مأساة فتاة بنبرة هادئة بعيدة عن الاحتجاج المباشر والإدانة الفجة، لتقترب من مشاغل الذات الأنثوية المحبطة، وهمومها وهواجسها. صدرت الرواية باللغة الإنكليزية قبل نحو سنتين عن دار نشر (دوبل داي) البريطانية، وقام المترجم والشاعر السوري عابد إسماعيل بتعريبها، لتصدر الطبعة العربية عن دار الساقي (بيروت ـ 2009).
عوالم الرواية تنتمي إلى حقل اختصاص واهتمام فادية الفقير، المدافعة عن حقوق المرأة في العالم العربي، وعن "العدالة الاجتماعية". تنحدر الفقير من أصول أردنية، إذ ولدت في عمان سنة 1956 من أب أردني من عشيرة العجارمة، ومن أم شركسية. حصلت على بكالوريوس لغة إنجليزية من الجامعة الأردنية عام 1983، ثم تابعت دراساتها العليا في الجامعات البريطانية: لانكستر، وايست أنجليا، وأكسفورد حيث حصلت على أعلى الشهادات في مجال الكتابة الإبداعية والنقدية. تعمل، منذ تخرجها، محاضرة في الأدب العربي الحديث، والدراسات النسائية، في مركز الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في جامعة "درم" في بريطانيا. شاركت في العديد من المؤتمرات العالمية التي عنيت بشؤون المرأة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وهي عضو عامل في العديد من الهيئات والمؤسسات الأوروبية. أصدرت عددا من القصص القصيرة والمسرحيات. صدرت لها في عام 1990 رواية "نيسانيت"، وفي العام 1997 رواية "أعمدة الملح"، ورواية "اسمي سلمى" هي الثالثة لها.
تروي الفقير في هذه الرواية محنة فتاة عربية شرقية اسمها سلمى ابراهيم الموسى، التي تعيش حكاية حب محرم تفقدها عذريتها، فتفقد براءتها إلى الأبد، وتعيش في ما تبقى من حياتها متخفية تحت اسم جديد: سالي آشر. هناك، في قرية "الحمى" الأردنية، تعيش سلمى حياتها بعفوية. ترعى الماعز، وتتقافز بين أشجار الزيتون، وتسبح في مياه النبع. لاشيء يعكر صفو هذه البساطة سوى "الحب المحرم" الذي ظهر، فجأة، إذ مالت إلى العشيق حمدان. وفي مجتمع ذكوري تسوده الثقافة البطريركية، من الطبيعي أن يستغل العشيق سذاجة الفتاة إلى أن يفوز بعسيلتها. وتسير حياة سلمى على خلاف الفتاة الجميلة دافني في الأسطورة الإغريقية التي تقول: كانت دافني فتاة جميلة وابنة إله صغير؛ إله أحد الأنهار، وقد رآها "آبولو"؛ إله الشمس الجبار، فأحبها وطاردها محاولا اغتصابها، وقد استنجدت بأبيها فرشها بحفنة من الماء وأحالها إلى شجرة غار تضفر من أغصانها الأكاليل للأبطال". هنا تصبح سلمى شجرة للعار، فبعدما أصبحت سلمى حاملا، قبل الزواج، تتلاشى أحلامها الصغيرة، وصارت تمثل وصمة عار على جبين القبيلة. تُساق إلى السجن من أجل حمايتها. وعلى وقع صرخاتها، في زنزانة السجن القذرة، تولد طفلتها التي اختطفت منها على الفور. من هناك، تُهّرب سلمى إلى أحد الأديرة في لبنان فقبرص، ومن ثم تصل أوربا، وتحديدا إلى قلب مدينة إكستر الانكليزية. تتعلم سلمى الكياسات الاجتماعية على يد اليزابيث؛ صاحبة منزلها، ثم تستقر وتتزوج من جون الانكليزي، وتنجب طفلا تسميه عمران. لكن هذه الحياة الرخية في رفاهية انكلترا البعيدة لا تمنحها الأمان، ولا تستطيع أن تسكت صرخات ابنتها التي تركتها هناك في البعيد، إذ راحت هذه الطفلة، التي أسمتها ليلى، تتراءى لها في الحلم كل ليلة. تقرر العودة إلى مرابع الطفولة والصبا بحثا عن ابنتها. تعود فعلا، رغم إدراكها لخطورة القرار، بعد مضي نحو عشرين عاما، فتكتشف بان شقيقها محمود الذي كان قد قرر قتلها هي غسلا للعار، قد قتلت ابنتها بحجة أن "البنت صورة عن أمها". رماها في البئر العميقة، ثم مات الجد (والد سلمى) حزنا عليها، وفقدت الجدة (والدة سلمى) بصرها. تزور سلمى قبر ابنتها التي لم ترها قط. ترى "السوسن الأسود"، عنوان الفصل الأخير في الرواية، وقد أحاط بالمقبرة، وتسمع، وهي في غمرة الحزن، ضجيجا يتعالى من خلفها: "حين أدرت رأسي شعرت بألم يخترق جبهتي، هناك بين عيني، ثم، مثل دم في ماء، سال الألم وانتشر". إذا لقد انتصر، أخيرا، محمود، وغسل العار عبر قتل شقيقته بعد مرور كل تلك السنوات، بعدما اعتقدت الشقيقة بأنها أصبحت محصنة من الرصاصة التي انتظرتها لسنوات طويلة غسلا للعار؛ عار القبيلة والقرية.
هذه الحكاية المؤلمة التي تشير إلى تجذّر العادات القبلية البالية في المجتمعات العربية، تصوغها الفقير في قالب روائي جذاب. سلمى هي الراوية، والبطلة في آن. تروي حكايتها بضمير المتكلم متنقلة من مزارع الزيتون والسماء الزرقاء الصافية في قريتها الأردنية، إلى الأرصفة المبللة بالمطر، والسماء الملبدة بالغيوم في مدينة اكستر. يتداخل السرد إلى حد التمازج، ليقدم عبر توليف سردي محكم وعبر تقنية "الفلاش باك"، حكاية تتوزع بين المشرق وقيمه وتقاليده الراسخة، وبين الغرب بانفتاحه، وماديته. تارة نمضي مع سلمى نحو سفوح الجبال وهي ترعى الماعز وتعزف على الناي، وعيون حمدان تلاحقها، وتارة أخرى نصغي إلى حكايتها وهي تتحدث عن صعوبات الحياة الجديدة في مدينة اكستر، وعن صديقتها الباكستانية بارفين التي هربت، بدورها، من زواج بالإكراه في بلادها. هربت سلمى من "العار" ومن رصاصة شقيقها محمود، لتجد جحيما آخر في انتظارها في المنفى الأوربي البعيد. تتمزق روحها بين حياة فطرية هادئة في قريتها الصغيرة، وبين مدينة بريطانية دينامية تضج بالغرائب، وبمغريات الحداثة، وإذ تحاول البحث عن طمأنينة مفقودة، سرعان ما تصطدم بقسوة الواقع الجديد، وتسمع صيحات ابنتها، وتشتاق إلى والدتها، وحكايات جدتها شهلا. المحزن أن كل ما تعيشه سلمى لم تختره بإرادتها، بل فرض عليها فرضا، فهي تبدو مستلبة الإرادة في عالم سعت إلى التأقلم معه بعدما أضحت ضحية لتقاليد مجتمعها ولقيمه المتوارثة، ولعل الاختيار الوحيد الذي اختارته بإرادتها، حين قررت العودة إلى موطنها، قادها إلى حتفها. هي قصة القمع والرصاصة المتأهبة لاختراق الجسد الذي ارتكب الخطيئة المحرمة.
تنحاز الفقير إلى بطلتها المخطئة، وهي لا ترفع، هنا، شعارات عالية النبرة، ولا تنحو باتجاه الخطابة المجانية، بل تجتهد في رسم صورة جذابة؛ نقية لسلمى الحائرة بين ماضيها البسيط وحاضرها المثقل بالأوجاع، وحين يصغي القارئ إلى صوت سلمى ومحنتها لا يجد بدا من التعاطف مع هذه المرأة المكلومة، ولعل هذا ما تهدف إليه الفقير المعنية بإظهار صورة المرأة المقموعة بتجلياتها المختلفة، وتمظهراتها الكثيرة من وصمة العار، إلى النفي، إلى الحنين الذي يغلي بين ضلوعها، إلى رحلة العودة المميتة.
الرواية في عناوينها العريضة تتناول مسألة جرائم الشرف بأقل قدر من الإثارة والضجيج، وتتحدث عن الحب الممنوع، وعن المحظورات والتابوات، وتقتفي وجع المنافي، والاغتراب. هي رواية السؤال الصعب التي وصفها أحد النقّاد قائلاً: "كيف نخلق عالمنا في عالم لا يني يكسر الآخرين ويحطّم عوالمهم؟ وكيف ننهض بعد أن نكون قد خسرنا كل شيء تقريباً؟".
رحلة صعبة وقاسية تمشيها سلمى من الحمى في الأردن إلى اكستر في انكلترا. وفي كل مرحلة تشتد المواجهة وتصعب، ولكن المواجهة الأشد هي المواجهة مع الذات، وهذا الصراع مع نوازع النفس يتجلى في روحها الخائفة؛ المقتلعة عن جذورها، والتي تسعى إلى التكيف مع فضاء جديد وفر لها الراحة الجسدية، لكن الاضطرابات النفسية راحت تتفاقم، فسلمى التي فقدت عذريتها، ذات يوم كئيب، فقدت معها معنى الابتسام، ومعنى العيش الهانئ، فتعيش حالة الازدواجية التي بقيت مثل كابوس تهيمن على يومياتها: فتاة هاربة من قيود القبيلة وأعرافها، اصطدمت بواقع شديد القسوة عليها، هي التي لا تفقه شيئا من ثقافة الغرب، وذهنيته.
الرواية تتقصى مسألة غاية في الأهمية، وتتمثل في ما يعرف بـ "جرائم الشرف"، فتحت هذا المسمى الجميل ترتكب الكثير من الجرائم البشعة بحق النساء في الشرق لمجرد التشبيه أو الظن في أن الفتاة الضحية قد ارتكبت خطيئة تخالف الأعراف والتقاليد المكرسة، والواقع أن هذه العادة المكرسة في مناطق واسعة من العالم العربي والإسلامي تعبر عن التخلف والجهل، والمشكلة أن هذه الجرائم محمية بالقوانين الرسمية، فغالبا ما يبرئ القضاء ساحة مرتكب جريمة الشرف، أو يحكم حكما مخففا، وهذا ما يشجع بعض المراهقين على التمادي في ارتكاب هذه الجرائم التي يذهب ضحيتها الكثير من النساء البريئات، ناهيك عن أن هذه العادة السيئة تسلب المرأة حريتها وتدفعها، إن هي تمردت ونجت من العقاب، إلى الاغتراب والضياع في المنافي بعيدا عن دفء الأهل، والوطن. |